الشيخ محمد حسين الحائري
429
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
لأدلة القوم فنقول احتج القائلون بمعذورية الجاهل بوجوه منها الأصل فإن أريد به أصالة عدم اشتراط صحة العبادة بالأخذ من المجتهد فهو راجع إلى ما سيأتي في الوجه الثالث وإن أريد به أصالة براءة الذمة عن تعيين الرجوع إلى المجتهد فإن أريد ذلك مطلقا كما يرشد إليه بعض أدلتهم فضعفه واضح وسيأتي التنبيه عليه في أدلة المانعين وإن أريد ذلك بالنسبة إلى غير المتفطن ما دام غير متفطن فمسلم كما نبهنا عليه وإن أريد عدم وجوب الرجوع إليه بعد التفطن بالنسبة إلى ما وقع من الأعمال قبل التفطن وإن بقي محل التدارك فممنوع إذ بعد انكشاف بطلان الطريق وعدم اعتباره لا بد من استعلام حال العمل إن كان واجبا بطريق معتبر ليتدارك على تقدير الفساد والسر فيه أن الوظيفة الواقعية للعامي في أمثال زماننا وهو زمن انسداد باب معرفة الحكم الغير القطعي عليه بطريق معتبر غير التقليد إنما هي الرجوع إلى المجتهدين فالواجب عليه واقعا حينئذ إنما هو الاتيان بمؤدى فتاوى المجتهدين فغفلته عن ذلك وإتيانه بمؤدى فتاوى غيرهم لا يسقط عنه ما كلف به واقعا من الاتيان بمؤدى فتاوى المجتهدين إذا كانا مختلفين وأما الأخبار الدالة على عدم العبرة بالشك بعد الفراغ أو بعد خروج الوقت فهي واردة في الشك في وقوع الفعل لا في حكمه لأنها مسوقة لبيان معرفة الموضوعات لا الاحكام وتحقيق المقام وتوضيحه أن التكاليف أمور واقعية متعلقة بمواردها الواقعية وهي مستفادة غالبا من الألفاظ وهي موضوعة بإزاء معانيها الواقعية ولا مدخل للعلم والجهل فيها والامتثال للتكليف الواقعي لا يتحقق إلا بالاتيان بمورده الواقعي وحيث إنه لا بد في الكشف عن الواقع من طريق يعتمد عليه فالطرق المعتبرة إما أن يكون اعتبارها واقعيا أو ظاهريا مستندا إلى اعتقاد المكلف كونها طرقا معتبرة فمن القسم الأول العلم وما ثبت قيامه مقامه مطلقا أو عند تعذره وهذا النوع من الطريق قد يستمر بقاؤه وقد يزول مع انكشاف الخلاف وعدمه فإن استمر فالحكم واضح وإن زال وانكشف الخلاف فلا ريب حينئذ في عدم حصول الامتثال للامر الواقعي فيجب التدارك إن كان واجبا وبقي المحل وحيث يقوم دليل حينئذ على عدم وجوب التدارك فذلك مستلزم لاحد أمرين الأول التوسع في الامر بجعله مشروطا بما إذا لم يتفق صدور ذلك من المكلف فيكون المأتي به مسقطا للامر الواقعي أو مانعا من تعلقه لا امتثالا له ومن هذا الباب صلاة المخالف إذا استبصر بعدها في وجه والثاني التوسع في الماهية المأمور بها بحيث يتناول المأتي به ويندرج في أفرادها الواقعية ومن هذا الباب صلاة من تلبس بها قبل الوقت وأتمها فيه حيث يحكم بالصحة وصلاة جاهل وجود النجاسة ومن سها عن غير ركن إلى أن تجاوز المحل ومن أتم في موضع القصر جاهلا إلى غير ذلك فإن ما دل على صحة الصلاة في هذه الموارد يدل على عدم شرطية الامر المتروك أو عدم جزئيته للماهية الواقعية عند طريان السهو والجهل فالماهية الواقعية قد تختلف باختلاف أحوال المكلف من سهو أو جهل أو عدمهما كما أنها قد تختلف بحسب اختلاف أحوال أخر كالقدرة والعجز والحضر والسفر وغير ذلك وإن زال الطريق ولم ينكشف الخلاف كما لو أدى نظر المجتهد إلى حجية الشهرة أو الاجماع المنقول أو الخبر الموثق أو المنجبر ثم شك أو ظن العدم أو استظهر حكما من آية أو رواية ثم شك أو ظن عدم الظهور أو قلد العامي لمن كان له أهلية الفتوى ثم خرج عنها بكفر أو جنون أو موت وقلنا بعدم بقائه على تقليده أو قلد المفتي في حكم ثم رجع عنه أو قلد من علم باستجماعه للشرائط ثم زال علمه ونحو ذلك فالمتجه في ذلك البناء على مقتضاه بالنسبة إلى الأعمال السابقة على الزوال عملا بأصالة بقاء أثر الطريق السابق فيما وقع من الأعمال على حسبه إذ لا دليل على زواله عنها بزوال الطريق وقد مر التنبيه على ذلك في مسألة رجوع المفتي عن فتواه ولا فرق في زوال العلم بين أن يعلم ببطلان مدركه وعدمه لان حجية العلم من حيث نفسه لا باعتبار مدركه ومثله الظن بناء على حجيته في نفسه ومن القسم الثاني ما لو اعتقد المجتهد حجية دليل غير معتبر واقعا كالقياس وكذا إذا استظهر من آية أو رواية ما لا ظهور لهما فيه واقعا في وجه أو اعتقد العامي بأن قول غير المجتهد حجة في حقه أو اعتقد أهلية رجل للفتوى مع انتفائها عنه إلى غير ذلك فإن لم ينكشف له بطلان الطريق إلى أن تعذر التدارك كصلاة العيد فلا ثمرة يعتد بها في البحث عنه وإن انكشف قبله وجب عليه تطلب طريق معتبر من العلم وما في حكمه ثم ما ثبت قيامه مقامه عند تعذره ليكشف عنه [ به ] عن حكم الواقعة فيبني على مقتضاه فإن وافق الطريق السابق اتجه الحكم بالصحة لانكشاف وقوع الفعل على وجهه وكونه أخذا له حين الوقوع من طريق معتبر واقعا غير معتبر في ماهية العمل وإنما المعتبر كونه معتبرا في نظره ليتمكن من قصد القربة فيما يتوقف صحته عليه وإن خالف مقتضاه لزمه التدارك فيما لم يثبت معذورية الجاهل فيه لانكشاف وظيفته الواقعية من العمل بمؤدى الدليل المعتبر ولا ينافي ذلك كون وجوب العمل بالامارة حين علمه بها واقعيا أيضا لان للواقع مراتب باعتبار نفس الفعل وباعتبار الأحوال الطارية على المكلف ثانية كل مرتبة بالنسبة إلى سابقتها ظاهرية فالواجب من الصلاة مثلا على المكلف أولا هو الصلاة الواقعية وإن كان فعليته مشروطة بمساعدة طريق معتبر